مازلت أتذكر ذلك الشّتاء الذي حضرنا فيه جميعا ، بكلّ إرادة ، تدعيما لمعارفنا بعاصمة الولاية ، بداية الولوج كان بقاعة مترامية ، بعد كلمة الترحيب التي ألقاها مدير المركز ، دخلنا أفراجا إلى الحجرات .والمناداة هي من توجهك إلى الحجرة التي تدرس فيها وتستنشق شيئا ممّا تنثره الطّباشير البيضاء .وهي في عراك مع اللوح الأخضر ، كان جلوسي في المقعد الأول من حظي ونصيبي ، يجب أن أركز وأشارك حتى أظفر بشهادة إستحقاق مع نهاية الدّورة ، وعزمت بأن لا ألتفت لأحد. إلى أن يدق الجرس للخروج ، لا أشغل نفسي بزميلة أو زميل، فزميلي سيدي وزميلتي كرّاستي داخل القسم ، والبداية كانت تاريخ ” البحرية الجزائرية ودورها في البحر الأبيض المتوسط خلال العصور الحديثة” لما بدأ الأستاذ درسه بأسئلة تمهيدية قصد الولوج في جو الدّرس ، أصابني منه شيئ من القرف ، ولم أتحمّل ركاكته بالمرّة ، وهكذا عادتي التي جبلت عليها من عهد الإبتدائي .لا أتابع معلّما لا يتوافق معي على المزاج ، أحب المرح البشوش ..الأنيق ..الذي يكمل درسه ضاحكا متفائلا عكس هذا الذي من أول سؤال فرت نفسي منه هاربة ، سافرت مع أحلامي وتركته في جعجعته .حتى دق الجرس للخروج إلى وقت الرّاحة ، غصت السّاحة برجال التربية ونسائها ، إنزويت وراء شجرة هناك.. أندب حظي التّعيس في النجوى .مع ذلك الرجل الذي أصابني الغيثان من هندامه ومن عاميته ..ومن أسلوبه.. الذي يشابه رتابة صبيحة رمضان ومساء عيد الفطر ، الرّفاق تضحك حد القهقهة .وأنا حزين. ورحت أفكر فيه وفي ثقل روحه وفي غلظ طبعه ، حتى أنساني التّعرف على الزّملاء .الذين معي في الحجرة رقم 10والذين هم في الحجرات الأخرى ، وخلسة تقدّمت منّي زميلة حديثة العهد بالمهنة ..تكرّمت بالتّحية فرديت بأحسن منها ، ورحنا نتحدث على صبيحة اليوم الأول ،ويمكن أن تكون قد قرأت أفكاري وأدركت بأني مستاء ، وقبل أن تبادر وتسألني عن سبب إستيائي .رحت أبوح لها بما أنها زميلة المهنة : يا صديقتي أنا اليوم لسوء حظي كنت من نصيب أستاذ”قلبه قلب عصفور ولكنّه في الميزان فيل ” بتعبير شاعر واستطردت أقرأ لها بيتا لشاعر آخر ” سقط الحمار من السّفينة في الدّجى **فبكى الرّفاق لفقده وترحّمو ا **حتى إذا طلع النّهار **أتت به موجة تتقدّم ..قالت خذوه .كما أتاني سالما فإنّه لم يبتلع .وسألتني عن المادة أجبتها : مادة التاريخ .فقالت نحن حظنا مع أساذ وأيضا في مادّة التاريخ ..قمّة وكنت أتمنى أن لا تنتهي المادة معه .لم أشعر معه بالكلل والملل حتى أنهى درسه بإبتسامته المحتشمة ..أتمنى أن يبقى معنا حتى إختتام التربص ، حسدتها ودار في خلدي أن أتصل باللإدارة وأطلب التّحويل إلى الا ستاذ الذي حدّثتني عنه زميلتي بكل الثّناء والشّكر والإطراء ..!لكنّني تريثت. وفي صباح الغد كانت البداية دوما تاريخ ، أتيت متنأخرا كأني ذاهب إلى الجحيم ، ولا أدري لماذا إنتبهت لرفاق الحجرة هذه المرّة .فوقعت عيناي على زميلتي التي كانت تحدثني على أستاذها شاكرة .!جلست وهروب زميلتي من قسمها يحزّ في نفسي عدة تساؤلات .. وأستاذها الذي حدّثتني عنه شاكرة له حد المدح …مرّت الحصة وأنا أنتظر الخروج على الجمر ، وهذه المرّة أنا من رحت أستنطقها : كيف تحوّلت .؟.وكيف الطّريقة؟ ..ولماذا هربت من أستاذك المبجّل ؟ ضحكت : ماذا تقول يا زميلي ..أنا لم أفعل ولم أطلب التّحويل ..أه فهمت الآن بأنّها كانت تحدّثني شاكرة بفرح وبمحبّة ذلك الأستاذ الذي لم يعجبني أنا ، وأدركت لحظتها أن الأراء والأذواق ليس سيان ..في النّصوص وفي كلّ شيئ وأيضا في الأشخاص ..من يعجبك أنت لا يعجب غيرك والعكس ، والمرأة التي لا تعجبك أنت يمكن أن تعجب غيرك ..ولله في خلقه شؤون …..!
تنويه : الأقلام لا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة !
0
0
الأصوات
تقييم المادة
احصل على إشعارات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.
القاص سعدي صبّاح من مواليد عين وسارة، ولاية الجلفة، الجزائر، عضو المجلس الثقافي للمبدعين العرب" .
إشتراك
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث
الأكثر تصويتاً
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات