منذ استقلال السودان في عام 1956م، وهو يعيش حالة من الترقب المستمر، أمام مجموعة من التحديات الداخلية والخارجية، والتي كانت تمثل عقبة كبيرة، أمام مسيرته في التنمية، وقضية مُلحِّة نحو النمو الإقتصادي لزيادة الإستثمارات، وهو الذي يمتلك مساحة كبيرة من الأراضي الزراعية الخصبة، وكما يطلق عليه (سلة العرب الغذائية)، ونحن هنا لا نردد شعارات تتناغم مع التداعيات السياسية الاستهلاكية، التي كثيراً ما كان يبثها إعلام الحكومات العسكرية المتعاقية، التي قادت البلاد لفترات زمنية تطول وتقصر، وفق أبواق السلطة وأجنداتها السياسية، تحت مظلة المصالح الخاصة، ومن يقف ورائهُم من أصحاب النفوذ والنفعية، وهذا الأمر يأخذ طابع التوسع الأفقي والرأسي، بحسب قدرة المؤثرين على القرارات السيادية آنذاك.
وكما أن الأمر يتعلق بالشأن الداخلي السوداني، فالأشقاء لديهم من أسلحة الضد الفكرية والأخلاقية والحضارية، ونحن في المملكة الذين نعرفهم عن قرب، في علاقات تاريخية ذات أمد بعيد، ترجمت هذه المكونات بزيارات متبادلة بين زعماء البلدين، إبان عهد الرئيس محمد إسماعيل الأزهري، الذي استقبله الملك فيصل استقبال الزعماء، فكانت الطائرة المروحية تحلق في سماء قصر خزام الملكي بجدة، تنثر حبات الحلوى علينا كطلاب بالمرحلة المتوسطة، في مشهد تاريخي لا زال عالقاَ بالأذهان، في أواخر ستينات القرن الماضي، وهاهي حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده، تكن لشرفاء السودان الإحترام والتقدير، وتتعاطف مع قضاياهم المصيرية.
وتجدد تأييدها علناً لتطلعات الشعب السوداني، والوصول ببلادهم لبر الأمان، ولأن ما يربطنا بالسودان (التاريخ والعروبة والإسلام)، والكثير من الصلات المشتركة، لما يمتلكونه من كرم الأخلاق والتعامل الإنساني، مما جعلهم يسكنون في سويداء قلوب المجتمع السعودي، وهذا حقهم على من عرف قدرهم ومكانتهم، فالشعب السوداني صنع من كرامته وحريته وأنفته، خبز(الكسرة) ليعيش حياته اليومية، ودوت مآذنه وأماكن عباداته ومؤسساته الرسمية، بالثناء على وقفات المملكة معه على مرَّ التاريخ، ليس من باب المِنَّة كما يفعل البعض ، وإنما من باب النخوة العربية، والسودانيون يعرفون معنى النخوة والشهامة، وتُجيد نخبهم المفاهيم الفكرية والقيم التاريخية.
وأثبت الشارع السوداني، تجاوز المحنة التي أصابتهم في مقتل، بكفاءة ومكونات مجتمعية عالية، لكتاب الرأي وأساتذة الجامعات، والمهن الحرفية ورجال السياسة والإقتصاد والقانون، فهم الأجدر بقيادة بلادهم بعد أن قدَّموا للعالم دروساً في الديموقراطية وشجاعة القرار، وأجبروا منظمي المؤتمرات الصحفية، على التنازل والتراجع والاحتفاظ بزمام الأمور الأمنية، لحين تسليم السلطة للقادرين على حمل الأمانة، بعيداً عن التعنيف والأوامر العسكرية الصارمة، والتي لو استمرت لأدت لمزيد من إراقة دماء الأبرياء، والذين هم مقومات الحياة السياسية والفكرية، وخبراء الإقتصاد والعلاقات الدولية، للإنفتاح على العالم بما يتفق مع رؤية وتوجهات النخب السياسية، والتي تحمل بصدق تمثيل الشعب السوداني وتعبِّر عن حاجات البسطاء.