0 0 الأصوات
تقييم المادة

إبني خطيباً في العيد!! بقلم د. غسان محمد عسيلان

0 239

ربما لم يكن أحدٌ على وجه البسيطة يتوقع أن تمر البشرية بمثل ما مرت به بسبب جائحة كورونا!! فالمصانع قد أُغلقت، والمدارس قد عُطِّلت، وحركة السفر والتنقل قد توقَّفت، حتى المساجد قد أُغلقت، ولزم الناس بيوتهم، وجاءَ شهر رمضان المبارك وصامَه المسلمون وهم تحت الحظر والإغلاق، وبيت الله العتيق فارغٌ من المصلين، والكعبة المشرفة ليس حولها أحدٌ من الطائفين!! وجاءت العشرُ الأواخر من رمضان ولا اعتكاف في المساجد.

سبحان الله العظيم!! حتى المسجد الحرام الذي كان في مثل هذا الوقت مكتظًا بالمعتمرين والمصلين والعاكفين والطائفين، ولا تُوجد فيه فسحة، ولا موطئ قدم لأحد؛ لأنه ممتلئ عن آخره في كل الطوابق والسطح، حتى الساحات والشوارع المجاورة تكتظ بالمصلين، فأين ذلك كله في زمن كورونا؟!!

وفي كل أنحاء العالم رأينا الشوارع خالية، والطرقات فارغة، وكل الأماكن التي تغصُّ عادة بحركة الناس كالفنادق والحدائق والمحلات والمطارات كلها أصبحت خاوية على عروشها!! ولو أن مخلوقًا من خارج الأرض جاء إليها لتساءل في دهشة: أين البشر؟!! أين سكان هذا الكوكب؟!!

كانت الحياة صاخبة مفعمة بالحركة والحيوية، ومعظم مدن العالم الكبرى كانت لا تهدأ ولا تعرف الراحة والسكون طوال الليل والنهار!! فأين ذهبت هذه الملايين من الناس؟!! وكيف تحولت هذه المدن العملاقة إلى مدن أشباح؟!!

في الواقع إن الناس لا تعجبهم حياتهم، ويشتكون منها على أية حال!! فإن جاء فصل الصيف يشتكي الناس من شدة الحر ارة وعدم قدرتهم على تحملها، وعندما يحلُّ فصل الشتاء يتأففون من قسوة البرد القارس الذي يخترق عظام الجسد!! وإن كثُر العمل اشتكى الإنسان من التعب وقلة الراحة، وإن تعطَّل الإنسان اشتكى من البطالة وطول أوقات الفراغ، وهكذا فالإنسان كثير الضجر والشكوى، ودائم التململ والتذمر، وصدق الله القائل: ]وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا[ [الكهف: 54].

لكن لو تأملنا أزمة تفشي جائحة كورونا من زاوية أخرى لوجدنا مجموعة من العبر والعظات، في مقدمتها أن الحياة الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وأنه في لحظة ما عندما يشاء سبحانه وتعالى فسينتهي كل شيء في هذه الحياة وستفنى فناءً تاما، قال تعالى: ]قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ[[يونس: 49].

في الواقع فإن جائحة كورونا تمنحنا فرصةً للتأمل، وتعطينا وقتًا للبحث عن فهمٍ أفضل لأنفسنا وللكون والحياة من حولنا!! كم منا كبُر أولاده فجأة وهو لا يعرف عنهم شيئا لأنه لم يقترب منهم يومًا، ولم يحاول أن يتعرف على أفكارهم وأحلامهم وطموحاتهم ومشاعرهم!! وكم منا لا تجمعه بأهله إلا حياة روتينية بحتة، وكأنهم مجموعة من الآلات مبرمجة للسير وفق برنامج معين!! فلا أحد يفكر!! ولا أحد يناقش!! ولا أحد يتقرب من أحد بشكل إنساني عميق!!

لقد منحتنا أزمة كورونا الفرصة لنتقارب أكثر، ولنكتشف أشياء أجمل في حياتنا، حتى قال أحدهم: إن لكورونا فضلا كبيرًا عليَّ!! لقد اكتشفت أن لي أسرةً وأولادًا، وأنَّ لديَّ ابنًا كبيرًا خطبنا خطبة عيد الفطر المبارك!!

0 0 الأصوات
تقييم المادة

احصل على إشعارات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

إشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويتاً
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات